الضفة المحتلة في أخطر مراحلها.. إلى أين يقود التصعيد الإسرائيلي؟

الضفة المحتلة في أخطر مراحلها.. إلى أين يقود التصعيد الإسرائيلي؟
تقارير وحوارات

الضفة المحتلة/ معتز شاهين:
تتجه الأنظار نحو الضفة الغربية المحتلة، وسط تقارير متزايدة عن استعدادات يجريها جيش الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع عملياته العسكرية والسيطرة على مزيد من المخيمات، بما يطرح تساؤلات ملحة حول التداعيات الميدانية والسياسية المتوقعة، وما إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة وأكثر خطورة من التصعيد.
وتكشف تقارير إسرائيلية أن وزير الحرب يسرائيل كاتس يضغط باتجاه توسيع العمليات في الضفة والسيطرة على مزيد من المخيمات، فيما يستعد الجيش لسيناريوهات ميدانية متعددة، بينها تنفيذ عمليات استباقية واسعة واحتلال مخيمات جديدة، مع احتمال اتساع نطاق المواجهة في حال تغيرت المعادلات الأمنية القائمة.
وحذر محللون تحدثوا لـ"الاستقلال" من دخول الضفة الغربية مرحلة هي الأخطر منذ سنوات، في ظل الاستعدادات الإسرائيلية لتوسيع العمليات العسكرية، معتبرين أن التركيز الإسرائيلي المقبل سينصب بصورة خاصة على شمال الضفة، حيث تتركز أنشطة المقاومة الفلسطينية.
ويبرز شمال الضفة الغربية، ولا سيما مخيمات جنين وطولكرم، في صدارة الاستهداف الإسرائيلي، في ظل العمليات العسكرية الواسعة التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، وما رافقها من اقتحامات وتجريف وهدم للمنشآت وتدمير للبنية التحتية وتهجير أعداد من السكان.
وأدت هذه العمليات إلى تغييرات متزايدة في واقع المخيمات، مع تعزيز الوجود العسكري وإغلاق طرق وفرض قيود على حركة السكان، وسط اتهامات فلسطينية للاحتلال بالسعي إلى تفريغ بعض المناطق من سكانها وفرض واقع عسكري طويل الأمد عليها.
ولا يقتصر التصعيد المحتمل على العمليات العسكرية المباشرة، إذ تتحدث تقديرات إسرائيلية عن سيناريوهات أخرى قد تتداخل فيها التطورات الأمنية مع الأوضاع السياسية الداخلية الفلسطينية.
"انقلاب البنادق"
ومن بين السيناريوهات التي تتداولها التقارير الإسرائيلية ما أطلق عليه "انقلاب البنادق"، في إشارة إلى احتمال تحول أسلحة الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مواجهة القوات الإسرائيلية والمستوطنين.
ويفترض هذا السيناريو إمكانية حدوث صراع داخلي فلسطيني على خلفية مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، قد يتطور إلى اشتباكات مسلحة داخلية، قبل أن تتجه المواجهة لاحقًا نحو الاحتلال والمستوطنين.
وبحسب تقديرات إسرائيلية، طلب المستوى السياسي من جيش الاحتلال رفع درجة الاستعداد لهذا السيناريو، فيما يعمل الجيش، ولا سيما القيادة الوسطى، على إعداد خطط للتعامل مع تطورات أمنية محتملة في الضفة الغربية.
نموذج غزة.. ولكن جزئيًا
وفي قراءة لمسار التصعيد، حذرت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة من دخول الضفة الغربية المحتلة مرحلة بالغة الخطورة، مشيرة إلى أن إعلان جيش الاحتلال تركيز عملياته في الضفة، بعد ملف لبنان، يعكس توجهًا إسرائيليًا نحو توسيع دائرة المواجهة، خاصة في شمال الضفة حيث تنشط فصائل المقاومة.
وقالت عودة لـ "الاستقلال"، إن هناك احتمالًا جديًا لشن عملية عسكرية واسعة تستهدف فصائل المقاومة في المدن والقرى والمخيمات، بهدف نزع سلاحها وفرض واقع أمني يدفع الفلسطينيين إلى القبول بمخططات الاحتلال الاستيطانية.
وترى أن الاحتلال قد يسعى إلى تطبيق نموذج جزئي من تجربته العسكرية في قطاع غزة داخل الضفة الغربية، وليس تكرار النموذج بصورة كاملة، بسبب الاختلاف الكبير في البيئة الجغرافية والمدنية بين المنطقتين.
وأوضحت أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تنفيذ ضربات جوية وعمليات اغتيال تستهدف قيادات وعناصر المقاومة الميدانية، إلى جانب توغلات برية محدودة وفرض حصار على بعض المناطق، بينما يبدو تكرار القصف الواسع للمنازل والمنشآت على غرار ما جرى في غزة أقل احتمالًا.
وبحسب عودة، فإن الاحتلال لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة العسكرية المباشرة على كامل الأراضي لتحقيق أهدافه، إذ يمكن للمشروع الاستيطاني أن يؤدي دورًا في السيطرة على مزيد من الأراضي وتوسيع رقعة المستوطنات، بما يفرض واقعًا جديدًا على الأرض دون الحاجة إلى احتلال شامل.
وترى أن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن في استهداف المقاومة وحدها، وإنما في تزامن ذلك مع استمرار مشروع الاستيطان والسيطرة على الأراضي، بما يجعل التهديد الذي تواجهه الضفة الغربية "خطرًا مركبًا" يجمع بين التصعيد العسكري والتوسع الاستيطاني.
وتشير إلى أن الاحتلال استخدم في قطاع غزة سياسة التهجير والسيطرة المؤقتة على الأراضي إلى جانب القصف، بهدف الضغط على المقاومة للتخلي عن سلاحها، بينما يعتمد في الضفة على المستوطنات والحواجز والبؤر الاستيطانية لتطويق التجمعات الفلسطينية والسيطرة التدريجية على الأرض.
وترى عودة أن المرحلة الراهنة تأتي ضمن ما تصفه بمسار إسرائيلي أوسع يستهدف نزع سلاح المناطق الفلسطينية، بدأ بصورة أكثر وضوحًا بعد السابع من أكتوبر، ويمتد الآن إلى الضفة الغربية، بالتوازي مع العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا.
معضلة ديمغرافية
في المقابل، يرى الخبير والمختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن استعدادات جيش الاحتلال لتوسيع عملياته والسيطرة على مزيد من المخيمات في الضفة الغربية لا تعني بالضرورة قدرته على تكرار نموذج الحرب الشاملة والتهجير القسري الذي شهده قطاع غزة، مؤكدًا وجود عقبات ميدانية وسياسية وديمغرافية تحول دون تحقيق ذلك.
وأوضح جعارة لـ "الاستقلال"، أن طبيعة الضفة الغربية تختلف بصورة كبيرة عن قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الاحتلال لا يمتلك فيها المبررات نفسها التي استخدمها لتبرير حرب واسعة النطاق على غزة، مثل الصواريخ والأنفاق والبنية العسكرية المعقدة التي استند إليها في شن عمليات تدميرية واسعة.
وحذر من أن توجهات حكومة اليمين الإسرائيلي، ولا سيما دعم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش للمستوطنين، إلى جانب تصاعد اعتداءاتهم على الفلسطينيين، قد تدفع الأوضاع نحو مزيد من التوتر، مشيرًا إلى أن السفير الأمريكي وصف اعتداءات المستوطنين بأنها "إرهاب يهودي" وأعمال تخريب ينبغي أن تتوقف.
ويرى جعارة أن صمود الفلسطينيين ورفضهم التهجير يمثلان أحد أبرز العوائق أمام أي مخطط لإفراغ الضفة الغربية، إلى جانب المواقف المصرية والأردنية الرافضة للتهجير، فضلًا عن الموقف الأمريكي الرافض لضم الضفة أو تغيير وضعها بصورة أحادية.
ويحذر من أن أي توجه نحو ضم الضفة الغربية أو توسيع السيطرة الإسرائيلية عليها يحمل تداعيات ديمغرافية وسياسية كبيرة، إذ إن توسيع مساحة السيطرة الإسرائيلية مع بقاء ملايين الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة وأراضي عام 1948 يهدد-وفق تقديره- الأغلبية اليهودية ويفتح الباب أمام واقع الدولة الواحدة.
وأشار إلى أن عددًا من القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين السابقين يدركون خطورة هذا السيناريو، ويرفضون ضم الضفة خشية أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة ثنائية القومية وتقويض الطابع اليهودي لإسرائيل.
وبينما تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة جديدة من التصعيد، فإن المعادلة لا تبدو محسومة لصالح الاحتلال؛ فالتصعيد العسكري قد يتسع، والاستيطان قد يفرض وقائع جديدة على الأرض، لكن تحقيق أهداف أكبر، كإفراغ الضفة من سكانها أو ضمها بصورة كاملة، يصطدم بعوامل فلسطينية وإقليمية ودولية، فضلًا عن تداعياته الديمغرافية على مستقبل المشروع الإسرائيلي نفسه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق